جوجل في مكة




جوجل في مكة

جوجل في مكة

جوجل في مكة – مقالة للدكتور وديع البرقاوي

أول تساؤلٍ يتبادر إلى ذهنك دون تردد عند دخولك لمركز الشركات الناشئة في وادي مكة، “هل أنا في مقر شركة جوجل؟“ هذا الانطباع صادف العديد من زوار المركز، فما هو الرابط بين مقر شركة جوجل ومركز الشركات الناشئة؟ هل هي مجرد حوائط وأسقف ومكاتب وأثاث وألوان تشبه تلك الموجودة في مقر شركة جوجل، أم أن هنالك قصة أخرى تستحق أن تروى؟

   

“لا شيء يتفوق على أهمية البيئة المبنية لتأسيس الشركات الناشئة“… هكذا تحدث الرئيس التنفيذي لشركة جوجل عن سر نجاح شركة جوجل.

ربما يعتقد البعض أن الأمر مبالغ فيه، لأن هناك عدة عوامل أخرى من شأنها أن تدعم تأسيس الشركات الناشئة مثل الوفرة المالية، الإرشاد والتوجيه، والبحث والتطوير. هذا إلى جانب الرغبة والشغف أولًا وأخيراً لريادي الاعمال وهذا ما يطلق عليه منظومة ريادة الأعمال. وهنا لابد لنا أن ننوه على الفرق بين منظومة ريادة الأعمال والبيئة المحفزة لريادة الأعمال. فمنظومة ريادة الأعمال تعتمد على مجموعة من الأنظمة المترابطة لريادة الأعمال مثل الأنظمة والتشريعات كنظام مستقل،  والبحث العلمي ومراكز الأبحاث والتطوير كنظام آخر، والتمويل والدعم كنظام ثالث وهكذا. ثم تأتي منظومة البيئة المحفزة لريادة الأعمال وهي عبارة عن البيئة المبنية من مكاتب وأثاث وإضاءات وألوان لتتناغم تلك الأنظمة معاً تحت منظومة شاملة تُعرف بمنظومة ريادة الأعمال.

 

لا شك أن المحصلة الأساسية من ريادة الاعمال هي تأسيس شركات ناشئة، إلا أن الشركة الناشئة تحتاج دوماً لتمثيل مرئي يجسد رؤيتها والأساس الذي قامت عليه. وهنا يتجلى دور البيئة المبنية لتوفر التمثيل المرئي للشركة الناشئة. فخوض غمار ريادة الأعمال يقترن دوماً بالمخاطرة العالية، تقلبات السوق الغير متوقعة، والمنافسة الشديدة و التي ربما تكون غير نزيهة في بعض الأحيان. وقد تتأخر العوائد المالية لفترات طويلة، هذا بخلاف المؤثرات السياسية والاقتصادية المفاجئة حول العالم. و على الرغم من ذلك تجد العديد من الأشخاص الذين يملكون شغفاً للتطوير والابتكار في سباق دائم نحو تأسيس شركات ناشئة. فعلى الأقل يستحق هؤلاء القليل من البهجة والفرح والتحفيز من خلال ما توفره البيئة المحيطة المحفزة ليتجاوز كل تلك العقبات.

جوجل مثلا أصبحت مرجعاً لتقديم المعلومة بعد أن اقتصر ذلك على المكتبات ودور العلم سابقاً (هذا على الرغم من عدم توفر المراجع العلمية الموثقة لبعض المعلومات) و مع ذلك باتت هي المرجع الأول للعديد من الناس في استخداماتهم اليومية وبذلك أصبحت الشركة مثالًا على التطوير والابتكار والابداع. وعلى خطٍ موازٍ أصبح مقر شركة قوقل مثالًا لمساحات العمل المشتركة التي تزيد من الإنتاجية وتحفز الموظفين على الابداع والابتكار، فعوضاً عن المكاتب المغلقة أصبحت المكاتب مشتركة ومفتوحة وبدلاً من الألوان الرسمية الكئيبة أصبحت الألوان المتعددة هي السائدة لتبعث الفرح والتجديد لدى الموظفين، وبدلاً من الكافتيريا التقليدية أصبحت تتواجد في كل زاوية وركن مقهى أو مطعم. هنا يتجلى دور البيئة المحفزة للابداع والابتكار . فإذا كان رائد الأعمال يتحمل عبئ تأسيس الشركة الناشئة بكل ما فيها من مخاطر فعلى الأقل يستحق الحصول على القليل من البهجة والفرح والسرور ليعاود الكرة كلما فشل حتى يتحقق حلمه.

بالإضافة لذلك تتسم البيئة المحفزة للابداع بوجود أماكن عمل مشتركة لريادي الأعمال. فإذا صادفت رائد أعمالٍ ناجح فسيخبرك حتماً أنه عانى في بداياته ومر بمحطات فشل ذريعة قبل أن يحقق حلمه. وعلى درب تلك المحطات التقى بأشخاص ملهمين وصادف شركات ناشئة مثله تماماً، دعمته للوصول لمبتغاه و هذا ما يقدمه مكان العمل المشترك ذو البيئة المحفزة من تلاقح للأفكار وتبادل للمعلومات لدرجة أن بعض الشركات ازدهر نشاطها بمجرد دخولها في شراكة مع شركة أخرى كانت تدير عملها بجانب تلك الشركة و في نفس المكان. بل صادف أن اثنان من الموظفين لشركة ما التقيا في وقت تناول الطعام في مساحة العمل المشتركة وخرجا بفكرة كانت هي الأساس لشركة ناشئة جديدة، ولم يكن ليحدث ذلك لولا وجود مكان مشترك لتبادل الأفكار ذو بيئةٍ محفزةٍ للابداع. فكيف جاءت فكرة إنشاء مركز الشركات الناشئة بوادي مكة؟ إذا كنت مقتنعاً بما تم طرحه سابقاً سأخبرك بفصول تلك القصة لاحقاً.

ودمتم

وديع برقاوي

الرئيس التنفيذي لشركة تلال النماء للتطوير والاستثمارات العقارية والمبتكرة

لمنظومة ريادة الأعمال وهي أحد الشركات التابعة لشركة وادي مكة للتقنية

شارك :